الشنقيطي
353
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
أما الإحالة فالذي يظهر أن موجبها هو أنه في هذه السورة الكريمة اجتمعت ثلاث صفات للّه تعالى من صفات العظمة والكمال : رب الناس ، ملك الناس ، إله الناس ، ولكأنها لأول وهلة تشير إلى الرب الملك هو الإله الحق الذي يستحق أن يعبد وحده . ولعله ما يرشد إليه مضمون سورة الإخلاص قبلها : هو اللّه أحد ، اللّه الصمد ، وهذا هو منطق العقل والقول الحق ، لأن مقتضى الملك يستلزم العبودية ، والعبودية تستلزم التأليه والتوحيد في الألوهية ، لأن العبد المملوك تجب عليه الطاعة والسمع لمالكه بمجرد الملك ، وإن كان مالكه عبدا مثله ، فكيف بالعبد المملوك لربه وإلهه ، وكيف بالمسالك الإله الواحد الأحد الفرد الصمد ؟ وقد جاءت تلك الصفات الثلاث : الرب الملك الإله ، في أول افتتاحية أول المصحف : الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ * الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ * مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ [ الفاتحة : 2 - 4 ] ، والقراءة الأخرى مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ . وفي أول سورة البقرة أول نداء يوجه للناس بعبادة اللّه تعالى وحده ، لأنه ربهم مع بيان الموجبات لذلك في قوله تعالى : يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ [ البقرة : 21 ] . ثم بين الموجب لذلك بقوله : الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ [ البقرة : 21 ] . وقوله : الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً وَالسَّماءَ بِناءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ [ البقرة : 22 ] . وهذا كله من آثار الربوبية واستحقاقه تعالى على خلقه العبادة ، ثم بين موجب إفراده وحده بذلك بقوله : فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [ البقرة : 22 ] . أي كما أنه لا ندّ له في الخلق ولا في الرزق ولا في شيء مما ذكر ، فلا تجعلوا للّه أندادا أيضا في عبادة ، وأنتم تعلمون حقيقة ذلك . وعبادته تعالى وحده ونفى الأنداد ، هو ما قال عنه الشيخ رحمة اللّه تعالى علينا وعليه : معنى لا إله إلا اللّه نفيا وإثباتا . فالإثبات في قوله تعالى : * وَاعْبُدُوا اللَّهَ [ النساء : 36 ] . والنفي في قوله : فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً [ البقرة : 22 ] .